عبد الجواد خلف
76
مدخل إلى التفسير وعلوم القرآن
علم ابن عباس - رضى اللّه عنه - حظى ابن عباس بموهبة علمية فذّة جعلته على درجة عالية من الاجتهاد ، ومعرفة تامة بالفقه ومعاني كتاب اللّه العزيز مما جعل شخصية عظيمة مثل شخصية عمر بن الخطاب الخليفة الثاني - رضى اللّه عنه - يرفع منزلته عنده ويدنيه منه ويقربه من مجالس كبار الصحابة ومتقدميهم في السن والمنزلة ، حتى أن ابن عباس - رضى اللّه عنه - يقدم لنا بنفسه هذه الصورة في بيانه التالي الذي نقله البخاري إلينا . « كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر ، فكأن بعضهم وجد في نفسه ، وقال : لم تدخل هذا معنا وإن لنا أبناء مثله ؟ فقال عمر : إنه من أعلمكم فدعاهم ذات يوم ، فأدخلنى معهم ، فما رأيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم ، فقال : ما تقولون في قول اللّه تعالى : إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ؟ فقال بعضهم : أمرنا أن نحمد اللّه ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا ، وسكت بعضهم فلم يقل شيئا : فقال لي : أكذلك تقول يا ابن عباس ؟ فقلت : لا . فقال : ما تقول ؟ قلت : هو أجل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أعلمه اللّه فقال إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وذلك علامة أجلك فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً فقال عمر : ما أعلم منها إلا ما تقول » « 1 » . لم يصل ابن عباس إلى هذه المنزلة إلا بشيئين هامين : الأول : دعاء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم له : « اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل » « 2 » . الثاني : دأبه على تحصيل العلم فقد مكث يعقل النبوة والوحي ثماني سنوات على الأقل في بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عند خالته أم المؤمنين « ميمونة » فنهل من بيت النبوة في تلك الفترة ما شاء اللّه له أن ينهل « 3 » . وبعد أن لحق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بربه انصرف ابن عباس إلى كبار الصحابة يستزيد
--> ( 1 ) من صحيح البخاري بحاشية السندي 3 / 222 ، الإتقان للسيوطي 4 / 206 . ( 2 ) صحيح البخاري بشرح فتح الباري 1 / 138 . ( 3 ) التفسير والمفسرون لمحمد حسين الذهبي 1 / 68 .